الواحدي النيسابوري
200
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
يقال : وصّى يوصّى توصية ووصاءة . وقرئ : « وأوصى » « 1 » ، ولهما أمثلة من الكتاب ؛ فمثال التّشديد قوله : ( فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ) « 2 » ، وقوله : ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ) « 3 » . ومثال الإفعال قوله : ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) « 4 » ، وقوله : ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ ) « 5 » . قال الزّجاج : ( وَصَّى ) أبلغ من « أوصى » ؛ لأنّ أوصى جائز أن يكون قال لهم مرّة واحدة ، ووصّى لا يكون إلّا لمرّات كثيرة . وقوله : ( بِها ) قال الكلبىّ ومقاتل : بكلمة الإخلاص « لا إله إلّا اللّه » ، وذلك أن إبراهيم ومن بعده يعقوب وصّيا أولادهما بلزوم التّوحيد ، وقالا لهم « 6 » : يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ . قال ابن عباس : يريد دين الإسلام دين الحنيفيّة ، قال إبراهيم لبنيه : لا تعدلوا باللّه شيئا ، وإن نشرتم بالمناشير ، وقرضتم بالمقاريض ، وحرّقتم بالنّار . قوله : فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . وقع النّهى في ظاهر الكلام على الموت ، وإنّما نهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام ، لئلّا يصادفهم الموت عليه . والمعنى : الزموا الإسلام حتّى إذا أدرككم الموت صادفكم عليه « 7 » . وهذا كما تقول : لا أرينّك هاهنا ؛ توقع حرف النّهى على الرّؤية ، وأنت لم تنه نفسك على الحقيقة ، بل نهيت المخاطب ، كأنّك قلت : لا تقربنّ هذا الموضع ، فمتى جئته لم أرك فيه وهذا من سعة الكلام .
--> ( 1 ) « قرأ نافع وابن عامر وكذا أبو جعفر - بهمزة مفتوحة بين الواوين ، وإسكان الثانية ، وتخفيف الصاد - وهو موافق لرسم المصحف المدني والشامي ؛ والباقون بالتشديد من غير همز معدى بالتضعيف ، موافقة لمصاحفهم . . » ، ( إتحاف فضلاء البشر 148 ) . ( 2 ) سورة يس : 50 . ( 3 ) سورة العنكبوت : 8 ؛ لقمان : 14 . ( 4 ) سورة النساء : 11 . ( 5 ) سورة النساء : 12 . ( 6 ) أ : « وقال لهم » . ( 7 ) كما في ( الوجيز للواحدي 1 : 35 ) .